الزكاة
لحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فموضوع المحاضرة كما قال المقدم: (مكانة الزكاة في الإسلام)، كل مسلم له أدنى بصيرة يعلم أن الزكاة أمرها عظيم، وأنها من أركان الإسلام الخمسة، بل هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد جمع الله بينها وبين الصلاة في مواضع كثيرة من كتابه العظيم، وهكذا جمع بينهما الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قول الله جل وعلا: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، وقوله : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة:11]، وقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، في آيات أخرى.ولقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، ورواه غيرهما أيضاً من حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت[1].
وفي لفظ آخر: بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله وحده ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة...[2] الحديث،
وهذا يبين لنا عظم شأن الزكاة وأنها في كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام قرينة الصلاة، والصلاة لا يخفى عظم شأنها فهي عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، وقد قال الله فيها جل وعلا: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين [البقرة:238] وقال فيها النبي ﷺ: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقدد كفر[3].
وقال فيها النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة[4] فالصلاة عمود الإسلام وأهم أركانه وأعظمها بعد الشهادتين، والزكاة أختها وقرينتها، فالصلاة حق لله تتعلق بالبدن فهي عبادة بدنية يقوم فيها العبد بين يدي ربه، يناجيه ويذكره ويدعوه ويقرأ كتابه سبحانه، فأمرها عظيم وتأثيرها في القلوب عظيم، وهي التي من أقامها وأدى حقها نهته عن الفحشاء والمنكر، وصارت سبب سعادته وسلامته ونجاته وصلاح قلبه وعمله، وهي التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكرها بين أصحابه في بعض أيامه قال فيها عليه الصلاة والسلام: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف[5] خرجه الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن.
قال بعض أهل العلم في هذا الحديث: إنما يحشر مضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة الكبار الدعاة إلى النار، إنما يحشر معهم؛ لأنه شابههم في أعمالهم الخبيثة، فالذي ضيعها من أجل الرياسة والملك والسلطان قد شابه فرعون؛ فإنه شغله كبره وملكه وعلوه في الأرض حتى كذَّب موسى وطغى وبغي فأهلكه الله، فيحشر معه من شابهه يوم القيامة إلى النار، وإنما يحشر من ضيع الصلاة مع هامان وزير فرعون إذا شغله عنها الوظيفة أو الوزارة وأعمال الوزارة فإنه يحشر مع هامان وزير فرعون إلى النار؛ لكونه شابهه في اشتغاله بالوزارة وحق الرياسة على طاعة الله ورسوله، وإنما يحشر من ضيعها من أجل المال والشهوات مع قارون؛ لأنه شابهه في ذلك، فقارون شغل بالمال والشهوات وتكبر عن الحق وطغى وعصى نبي الله موسى فخسف الله به وبداره الأرض وصار إلى النار فمن شابهه باشتغاله بالشهوات والمآكل والمشارب والمراكب ونحو ذلك حشر معه إلى النار نعوذ بالله، ومن شغل عن الصلاة بالبيع والشراء والمعاملات والأخذ والعطاء والدفاتر وغير ذلك فقد شابه أبي بن خلف تاجر أهل مكة فيحشر معه إلى النار نعوذ بالله.

تعليقات
إرسال تعليق